الخميس، 30 أكتوبر 2008

تعريف السينوغرافيا و تطور مفهومها عبر التاريخ

من المعروف عند الباحثين ودارسي المسرح أن السينوغرافيا تهتم بتأثيث خشبة المسرح وزخرفتها وتزيينها وتنظيمها وتعميرها، وتعنى أيضا بتأطير الفضاء الدرامي وتصويره وتفضية المكان الركحي ووضع مناظره المشهدية وبناء الديكور . لذا، فهي علم وفن، علم بالمفهوم أنها تستوجب خبرة تقنية وفنية وإلماما بالمقاسات الرياضية والحرف المهنية كالنجارة والخياطة والماكياج والهندسة والإضاءة والتحكم في المؤثرات الصوتية،وتحتاج إلى دراية كبيرة بعلوم التشكيل والهندسة المعمارية والنحت والـﯖراﭭيك والحفر، وهي فن بمعنى أن السينوغرافي لابد أن يكون له ذوق جمالي وفني في تأثيث الخشبة المسرحية، وأن ينطلق من روح إبداعية في فهم النص الدرامي وتفسيره وخلقه من جديد، كما تستعين السينوغرافيا بمجموعة من الفنون الجميلة التي تجعل من عمله عملا فنيا وأدبيا قائما على التأثرية الشعورية والانطباعية الفنية والتذوق الجمالي.وإذا كانت السينوغرافيا المسرحية قد ارتبطت بالدراما الفرعونية والإغريقية والرومانية والغربية والشرقية والعربية، فآن الأوان لمعرفة أنواع السينوغرافيا المسرحية وتبسيطها للقارئ قصد فهم مكوناتها واتجاهاتها الفنية وجوانبها الإيجابية والسلبية ، والبحث بجدية عن مرجعياتها التناصية وأصولها الثقافية ، وتسطير أدوارها الأساسية والثانوية في تشكيل العمل الدرامي وصياغة الرؤية الإخراجية للنص الدرامي المعروض أمام المتفرجين.
  • أ/ تعاريف السينوغرافيا المسرحية:
تهتم السينوغرافيا أو السينولوجيا Scénologie) ) بالديكور وتنظيم الخشبة الدرامية ماديا وتقنيا، وتعمل على تأثيث الركح وتصويره وتزيينه وزخرفته من خلال رؤية سمعية وبصرية متآلفة ومنسجمة لتشكيل رؤيا المخرج ورؤيا العمل الدرامي المعروض فوق المكان المسرحي.ويمكن تقديم مجموعة من التعاريف للسينوغرافيا من بينها:
  • أولا أن السينوغرافيا هي :" فن تنسيق الفضاء المسرحي والتحكم في شكله بهدف تحقيق أهداف العرض المسرحي، الذي يشكل إطاره الذي تجري فيه الأحداث"، 
  • وتعني ثانيا: " فن تصميم مكان العرض المسرحي وصياغته وتنفيذه، ويعتمد التعامل معه على استثمار الصورة والأشكال والأحجام والمواد والألوان والضوء"، 
  • وهي ثالثا:" فن تشكيل المكان المسرحي، أو الحيز الذي يضم الكتلة، والضوء واللون، والفراغ، والحركة ( وهي العناصر التي تؤثر وتتأثر بالفعل الدرامي الذي يسهم في صياغة الدلالات المكانية في التشكيل البصري العام". ومن ثم، فالسينوغرافيا تصوير للفضاء المسرحي وتشكيل له عبر تأثيثه بمجموعة من العلامات السمعية والبصرية قصد توضيح معاني النص الدرامي وتفسير مؤشراته السيميوطيقية والمرجعية. 
وتنصب أيضا على الخلفية التشكيلية المتموقعة في فوندو المسرح، وكواليس الركح وجوانبه وأجنحته، والمنصة الموجودة في مقدمة المسرح، والجزئيات الثابتة أو المتحركة فوق الخشبة من قطع وأثاث وإكسسوارات... ، وصالة الجمهور .
  • ب/ تطور مفهوم السينوغرافيا عبر التاريخ:
إذا تتبعنا تاريخ السينوغرافيا وتطورها التعاقبي، فسنجد بلا ريب أن هذا المفهوم قد انتقل من مفهوم الزخرفة والتزيين في الشعرية المسرحية الكلاسيكية لتعني العمارة والمنظور مع بدايات عصر النهضة ، لتعني فيما بعد تأثيث الخشبة بالديكور والمناظر، لتتخذ في العصر الحديث مفهوما أشمل باعتباره فنا مركبا يجمع بين العلامات اللغوية والبصرية والسمعية أو ما يسمى بفن الصور المرئية أو البصرية.ويثبت مارسيل فريدفوت Marcel Freydefot بأن السينوغرافيا ولدت " من فن الزخرفة، ثم تطورت في معارضتها للزخرفة لتصل إلى فن الديكور. 

إن كلمة سينوغرافيا كلمة قديمة نجدها لدى الإغريق والرومان،كما استخدمها معماريو عصر النهضة. ولقد حدث تغيير بين المعنى الإتمولوجي حيث اشتقت كلمة سينوغرافيا la scenographia والمفهوم الخاص بهذه الكلمة في عصر النهضة: فكلمة سينوغرافيا اليونانية تعني الزخرفة، أي تجميل واجهة المسرح Skene بألواح مرسومة حيث كان المسرح خيمة أو كوخا من الخشب، ثم مبنى يحيط بساحة التمثيل في المسرح الإغريقي، وكانت هذه الزخارف التي ظهرت في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد في تراجيديات سوفكلوس تمثل مناظر معمارية أو طبيعية لتوضيح موقع الحدث" وإذا استقرأنا أيضا تاريخ الأمم القديمة المعروفة بالمسرح ، فإننا نلفي لديها نوعا من الاهتمام بالسينوغرافيا المشهدية، وهذا يبين لنا مدى ارتباط السينوغرافيا أيما ارتباط بظهور المسرح الفردي والجماعي.

 بيد أن تقنينها العلمي وخضوعها لأصول علمية وفنية وجمالية وارتباطها بالفن الشامل لم يظهر إلا في العصر الحديث بعد ظهور المخرج.ومن هنا، نقول بأن السينوغرافيا الدرامية لدى الفراعنة ذات طبيعة دينية طقوسية ترتبط بالمعابد والأهرام والاحتفالات وأيام الزينة والأعياد الفرعونية ، وكان الكهنة ورجال الدين هم الذين يسهرون على هذه الفرجات الدرامية التي كان يختلط فيها التبتل الديني بالموسيقا والرقص.و يرتكز المسرح الإغريقي الذي ارتبط بمسرح المدرجات والمكان الدرامي المرسوم في شكل نصف دائرة على سينوغرافيا احتفالية دينية ميثولوجية تنبني على البساطة والتنظيم والترتيب والميل إلى التشكيل التراجيدي كما يبدو واضحا من خلال مسرحيات سوفكلوس ويوربيديس وأسخيلوس أو على التشكيل الكوميدي عند أريستوفانوس في مسرحيته" الضفادع" .

 وقد اعتمدت السينوغرافيا اليونانية على الكواليس الدوارة، وبناء المسارح في أمكنة مرتفعة ، وقد كانت الإضاءة طبيعية، كما استعانت موسيقيا بالجوقة، وسرديا بالراوي أو الكورس Chœur. وبذلك، " يكون الإغريق أول من اخترع طريقة رسم المناظر وتغييرها على المسرح؛ كما أن هذه الكواليس الدوارة كانت بداية معرفة ميكانيكية المسرح". هذا، وقد عرف الإغريق الستارة، فكانوا يسدلونها من الأعلى إلى الأسفل، وبعد ذلك ستفتح من الوسط إلى جزأين يميني ويساري، ومازالت المسارح العالمية تستعمل هذا النوع من الستارة التي تفتح من جانبين من الوسط المنصف. وأول مسرح عرف الستارة هو مسرح" سيراكوزا" حيث وجدت في مقدمته حفرة مستطيلة كانت معدة لنزول الستار عند بدء التمثيلّ.

 ولم تقتصر هذه السينوغرافيا على الفضاء فقط، بل تعدتها إلى الملابس الملونة والأقنعة والحلي والإكسسوارات التي كانت تعبر عن الطبقات الاجتماعية والتفاوت الموجود بينها،كما كان يستعمل الممثلون البوق أو ما يسمى بقناع الفم لإيصال حواراتهم إلى الجمهور الحاشد بكثرة في فضاء الطبيعة.أما السينوغرافيا الرومانية فكانت تتسم بالزخرفة والتفخيم وتمتين البنيان وإقامة مسارح فخمة مدرجة محاطة بالأقواس، ولم يقم الرومان مسارحهم على التلال كما عند الإغريق، بل أنشئت على أراض منبسطة مستوية. وقد اعتمدت السينوغرافيا الرومانية على بناء مناظر ثابتة وفخمة وديكورات ضخمة.

 كما جمع المسرح الروماني فيما هو معروف بين الاتجاه الديني والدنيوي، وكان موجها لخدمة الأباطرة والأمراء وحاشيتهم والقواد العسكريين الكبار والنبلاء ورجال الإقطاع، في حين أن التمثيل كان يقوم به العبيد غير المتخلقين ذكورا وإناثا.وتمتاز أزياء الممثلين في التراجيديات باستعمال الأقنعة وتوظيف ألبسة حريرية لها ذيول تجر فوق الركح . بينما في الكوميديات، يلبس الممثلون ملابس قصيرة تثير الضحك والتسلية، وكانوا يستعملون أيضا شعورا مستعارة ملونة حسب طبيعة الشخصيات الممثلة والمواقف الدرامية التي يمثلونها.واهتم الرومان أيضا بالمسرح الديني الذي أخذوه عن المصريين أثناء توسعهم عسكريا شرقا وغربا، كما اهتموا بالرقص الاستعراضي الجماعي.

 بيد أن مايلاحظ على السينوغرافيا الرومانية أنها تتميز باستخدام حيوانات حقيقية، واللجوء إلى الألعاب الرياضية العنيفة كالمصارعة واستخدام المبارزات العسكرية.وإذا انتقلنا إلى السينوغرافيا في العصور الوسطى فهي سينوغرافيا دينية ذات بعد مسيحي ارتبطت بمسرحة قصص الكتاب المقدس وحكايات الإنجيل، واستخدمت اللغة اللاتينية في المسرحيات التي كان يهتم بها رجال الدين تأليفا وإخراجا وتمثيلا، والتي كانوا يقدمونها في معابدهم وكنائسهم إبان الأعياد الدينية المقدسة وميلاد المسيح. ومن جهة مقابلة، كان هناك مسرح دنيوي يقدم إلى عامة الشعب للتسلية والترفيه حيث تعرض مسرحياته في الأماكن العامة والشوارع والمدن. و" كانت المدينة في المهرجانات والاحتفالات تنقلب بأسرها إلى مسرح كبير بعد أن يتولاها فنانو الديكور بالتزيين والتنسيق وإقامة الأقواس والنافورات والحدائق مما جعل هذه العناصر تأخذ طريقها إلى المسرح لتستقر فيه، وتزيد مشاهده رواء وبهاء وتجذب إليه النظارة من كل مكان." 

وتميزت السينوغرافيا في عصر النهضة بالباروكية والاعتماد على المنظور واستغلال فن العمارة والديكور والنحت والتصوير والرسم، وظهرت هذه السينوغرافيا التي اقترنت بعلم المنظور(البعد الثالث أو هندسة العمق) في مجموعة من المسارح في إيطاليا وباقي الدول الأوروبية الأخرى.أضف إلى ذلك أن السينوغرافيا عند الإيطاليين " وسيلة من ثلاث وسائل للرسم يلجأ إليها المعماري لتقديم تصور عن المبنى قبل البدء في البناء: التخطيط الأفقي والتخطيط الرأسي، والسينوغرافيا تصور لوجه من وجوه المبنى، والواجهات المتحركة التي تسمح بالحصول على تصور كامل على المبنى النهائي عن طريق الحيل البصرية. لقد ربط الإيطاليون بين السينوغرافيا والمنظور حيث لم يكن للكلمة الأولى معنى أو استخدام مسرحي، غير أن المنظور أصبح المنهج العلمي لتنفيذ المسارح المستخدمة والزخارف المختلفة.كان للمنظور أثره في تحريك خيال المتفرج واكتسب مصطلح سينوغرافيا مغزى مسرحيا يشير تحديدا إلى فن المنظور معماريا كان أو طبيعيا وأعيد استخدام مصطلح ديكور أو زخرفة في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وفي القرن التاسع عشر، أصبح هناك فرق بين كلمتي ديكور وزخرفة، فكلمة ديكور كلمة تقنية خاصة بفني الأجهزة في المسرح، وتشير إلى مجموع العناصر المادية التي تحمل الزخارف المرسومة مثل: الشاسيه والتوال.

 أما كلمة زخرفة فهي كلمة فنية تشير إلى المكان الذي يدور فيه الحدث ومجموع الأدوات التي تستخدم في تقديم العرض من لوحات وأثاث وإكسسوار يلعب كل من الديكور والزخرفة دوره عند رفع الستار حيث يجب أن يكون له تأثيره المباشر، ومع بداية الحوار تصبح للمثلين الأولوية، ويصبح للأداء الأهمية الأولى بينما يتراجع الديكور ليصبح مجرد خلفية للنص". وفي القرن السادس عشر، ظهرت الكوميديا ديلارتي القائمة على الحوار الذي يرتجله الممثلون على المسرح بعد أن يتفقوا على موضوع المسرحية، وكانت المرتجلات تتغير من ليلة إلى أخرى. أضف إلى ذلك إلى أن السينوغرافيا كانت تتسم بالطابع الكوميدي الشعبي ، وتقام في الأماكن العامة ويحضرها عامة الشعب، بينما المسارح الأخرى كان لايحضرها سوى الأمراء والنبلاء ورجال الإقطاع. و" لقد ظل المسرح منذ عهد الإغريق حتى العصور الوسطى مخصصا للأمراء والنبلاء والطبقة الأرستقراطية ، ولكن الجمهور في القرن السادس عشر بدأ يحس رويدا رويدا بكيانه وأهليته من الناحية الثقافية والمذهبية....وبدأت الدراما القديمة، والكوميديا الأدبية في استخدام اللغة الدارجة في الكثير من الأحيان.وقد حدث ذلك كله بفضل طابع التجديد الذي اتسم به القرن السادس عشر، وانتشر في كل مكان بإيطاليا أولا، ثم في أوروپا، فتم وضع بذور هذا الفن البسيط ذي اللهجة الصريحة في إطار من الحقيقة، وبذلك بدأ الشعب يتذوق فن المسرح الراقي." وظهرت في هذه المرحلة عدة مسارح مربعة ومستطيلة ومستديرة كما في إنگلترا في عهد الملكة إليزابيث، ومن أشهر المسرحيين الغربيين في هذا العهد نذكر المسرحيين الإسبانيين: لوپي ذي ﭭيـﯖا Lope de Vega، وكالدرون دي لاباركا Calderon de la Barca، والثالوث الفرنسي: راسين Racine، وموليير Molière،وكورني Corneille، والإنجليزي شكسبير Shakespeare.وانتشرت الميلودراما إلى جانب الكوميديا دي لارتي في القرن السادس عشر في مدينة فلورنسا الإيطالية ، وكان يكتبها دافنيه Defne ، وظلت مدة قرنين تقريبا دون أن يمسها تغيير أو تبديل، حتى انتشرت في إسپانيا وانـﮔلترا ثم في ألمانيا وفرنسا... واعتمدت سينوغرافيتها على تنقيح المنظور ونقطة النظر المسرحية والمشاهد المتتابعة للعرض، واستخدام فن وميكانيكية المسرح، واستعمال مشاهد الحريق وفيضان الأنهار، وغيرها من الظواهر الطبيعية المختلفة والمؤثرات الصوتية العديدة. كما كانت هذه السينوغرافيا تتسم بالطابع الباروكي التزييني الفخم الذي أودى بها إلى الأفول والتراجع" ولكن ضخامة المناظر، وفخامة العرض التي تميز بها الديكور المسرحي في عصر الميلودراما كانت تجذب الجزء الأكبر من انتباه المشاهدين، وبالتالي تصرفهم عن تتبع الأداء المسرحي، والموسيقا التصويرية ، مما كان يسيء إلى التمثيلية نفسها إساءة بالغة.ومن أهم مميزات هذا العصر أنه أدخلت عدة تعديلات على المسرح من أهمها: انحدار أرضية الصالة نحو الأمام ( أي نحو خشبة المسرح)، وبناء الألواح العديدة المرصوصة بجانب بعضها البعض لتشكل نصف دائرة على هيئة حدوة حصان ومن فوقها بناء مدرجات البلكون. وقد تم كل هذا بفضل بنتالينتي Buontalenti وسيجيتس Sigizzi...ويعتبر هذا النوع من المسارح النوع المثالي المتبع للآن في جميع المسارح الكلاسيكية." 

وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، ستظهر السينوغرافيا الكلاسيكية التي تحترم القواعد الأرسطية كاعتماد الوحدات الثلاث، والفصل بين الأجناس، واحترام الحقيقة العقلية اليقينية مع راسين وموليير وكورناي في فرنسا، ومع جون دريدن John Dryden في إنجلترا، ولسينـﮔ Lessing في ألمانيا. وظهرت كذلك السينوغرافيا الرومانسية التي انزاحت عن الشعرية الأرسطية من خلال تكسير الوحدات الثلاث والمزج بين الأنواع الدرامية ومخاطبة العواطف والذات والأهواء والخيال والاعتناء بالروح المثالية وإجلال الحب والمرأة مع فيكتور هوجو ، Victor Hugo، وشكسبيرShakespeare، ومارلو Marlo، وألكسندر دوما Alexander Dumas.وبعد ذلك، ظهرت السينوغرافيا الواقعية في فرنسا مع المذهب الواقعي ، والذي كان يمثله كل من بلزاك وفلوبير وستاندال في فرنسا، وتولوستوي في روسيا، وإبسن في النرويج. وأردف هذا المذهب الفني بالمذهب الطبيعي الذي استند إلى سينوغرافيا طبيعية مع كل من إميل زولا Emile zola والأخوان جونكير De Jonker وموپاسان Maupassant وألفونس دوديهAlfonse Daudet في فرنسا، وفيلديـنگ Felding ودانييل دي فو D.De Foe في إنگلترا.

وأصبحت السينوغرافيا مع المذهب الرمزي سينوغرافيا رمزية قائمة على الرمز والإيحاء والتلويح، وخير من يمثل المذهب الرمزي نستحضر بودليرBaudelaire، وميترلينك Metrlenk ، وهاوپتمان Hawptman، وسودرمان Sudrman.وفي أواخر القرن التاسع عشر، ظهر في ألمانيا المذهب التعبيري على يد فرانك ﭭديكيند Frank Wedekend. ويرمي هذا المذهب إلى " تصوير دخيلة النفس الإنسانية بما فيها من غرائز وأسرار، وعدم الانخداع بالمظاهر السطحية، وتحسيم تجارب العقل الباطن. وكانت مسرحياته تتكون من مناظر كثيرة ومتنوعة وديكورات مختلفة." .

وظهرت السينوغرافيا السريالية بعد الحرب العالمية الأولى مع المذهب السريالي الذي كان يتزعمه گيوم أپولينير ولوي أراگون وأنطوان أرطو، وارتكزت هذه السينوغرافيا على اللاشعور الفردي وتعرية الغرائز الجنسية واستكناه الجنون والهذيان والأحلام والأعصاب الانفعالية ، وكل هذا ثورة على العقل والمنطق والاستلاب البرجوازي الذي حول الإنسان إلى أداة وآلة للإنتاج دون أن يراعي فيه الجوانب الذاتية والروحية والإنسانية. وقامت ثورة السرياليين على اكتشافات فرويد وكارل ماركس وأبحاث إينشتاين وفلسفة هيجل ونظرية التطور لدى داروين.ومع العصر الحديث والمعاصر، ستظهر السينوغرافيا التجريبية والطليعية مع المسرح البريختي ومسرح أوتشرك الروسي والمسرح الباتافيزيقي مع ألفرد جاري صاحب أولى مسرحيات عبثية وهي " أبو ملكا"، و " أبو عبدا"، و" أبو فوق التل، أبو زوجا مخدوعا"، والمسرح العابث الذي يمثله كل من صمويل بكيت، ويونيسكو ، وفرناندو أرابال، وآداموف.

ومن يتأمل المسرح الشرقي بما فيه الكابوكي Kabukiوالنو NO اليابانيان، ومسرح كاتكالي الهندي، أو مسرح أوبرا بكين، أو التعازي الشيعية في المسرح الإيراني أو العربي، أو المسرح الأفريقي، أو مسرح الهنود بأمريكا الشمالية و اللاتينية، فإنه سيلاحظ أنه قائم على سينوغرافيا دينية طقوسية مقنعة قائمة على اللاشعور الجماعي وتطهير الغرائز الموروثة وتحبيك الأساطير وتشغيل الغيبيات ومسرحة العقائد وتوظيف التعاويذ السحرية .هذا،و تستعمل هذه السينوغرافيا الحركة الجسدية والرقص والغناء والموسيقا والتمثيل والتصوف الروحاني والصراع الديني بين الخير والشر أو بين الهداية والضلالة. ومن هنا ، فالمسرح الشرقي مسرح روحاني حركي يعتمد على اليوﯖا والنرﭭانا والجذبة الصوفية والحركات الطوطمية والحربية أكثر مما هو مسرح حواري لفظي كالمسرح الغربي.

ولم يتعرف العالم العربي على مصطلح السينوغرافيا إلا في الثمانينيات، واستعمل بكثرة في المغرب العربي لتأثر مثقفيه كثيرا بالثقافة الفرنسية القريبة إليهم، بينما المثقفون العرب في المشرق كانوا يستعملون مصطلح الديكور المسرحي. وفي هذا الصدد يقول عواد علي:" يعد مصطلح السينوغرافيا من المصطلحات المسرحية الحديثة، على مستوى التداول، في الخطاب المسرحي العربي أو المقاربات النقدية المتمحورة حول هذا الخطاب.فقد بدأ المعنيون بالمسرح تداوله في عقد الثمانين من هذا القرن، ولعل أول من استخدمه المسرحيون في المغرب العربي بحكم اتصالهم الوثيق بالثقافة الفرنسية،ثم أخذ يشيع استخدامه في أنحاء أخرى من العالم العربي، بديلا عن مصطلح (الديكور) ، أو ( الديكور والإضاءة) معا حينما ينسبان إلى مصمم واحد، وتحكمهما رؤية واحدة." ومازالت مدارسنا ومعاهدنا العربية تستعمل مصطلح الديكور بدلا من السينوغرافيا أو السينولوجيا ، مع العلم أنه قد " انتهى عصر الديكور وأمسى جزءا من كل، وبرزت السينوغرافيا وتشكيلاتها وأنساقها المتحركة. ومع ذلك، فإن المعاهد والأكاديميات العربية لاتزال تتمسك بمفهوم الديكور، وتعد طلابها على هذا الأساس، ولا يبدو أن المسميات والوظائف في طريقها نحو التغيير.لقد ولج هذا المصطلح حياتنا المسرحية، لكنه مافتئ ملتبسا يكتنفه الغموض، والسبب طغيان التنظير على الممارسة، وعلى الرغم من انتشار التنظير وغياب الممارسة، إلا أن أي شيء أفضل من لاشيء" كما يقول المثل الإنگليزي." 

وعليه، فقد عرفت السينوغرافيا عبر تاريخها الطويل تطورات كثيرة ملحوظة حيث انتقل مفهومها من فن التزيين والزخرفة إلى فن العمارة والمنظور لتركز السينوغرافيا اهتمامها على الديكور وبناء المناظر لتنتقل فيما بعد إلى مسرح الصورة في تأثيث الخشبة وتأطيرها.

0 commentaires: